فخر الدين الرازي
211
تفسير الرازي
ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا ) * ( مريم : 33 ) . الوجه الثالث : أنه تعالى لما ذكر تعظيم محمد عليه الصلاة والسلام قال : * ( إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما ) * يروى في التفسير أن اليهود كانوا إذا دخلوا قالوا : السام عليك ، فحزن الرسول عليه الصلاة والسلام لهذا المعنى ، فبعث الله جبريل عليه السلام وقال : إن كان اليهود يقولون السام عليك ، فأنا أقول من سرادقات الجلال : السلام عليك ، وأنزل قوله : * ( إن الله وملائكته يصلون على النبي ) * إلى قوله : * ( وسلموا تسليما ) * . وأما ما يدل من الأخبار على فضيلة السلام فما روي أن عبد الله بن سلام قال : لما سمعت بقدوم الرسول عليه الصلاة والسلام دخلت في غمار الناس ، فأول ما سمعت منه : " يا أيها الناس أفشوا السلام وأطعموا الطعام وصلوا الأرحام وصلوا بالليل والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام " . وأما ما يدل على فضل السلام من جهة المعقول فوجوه : الأول : قالوا : تحية النصارى وضع اليد على الفم ، وتحية اليهود بعضهم لبعض الإشارة بالأصابع ، وتحية المجوس الانحناء ، وتحية العرب بعضهم لبعض أن يقولوا : حياك الله ، وللملوك أن يقولوا : أنعم صباحا ، وتحية المسلمين بعضهم لبعض أن يقولوا : السلام عليك ورحمة الله وبركاته ، ولا شك أن هذه التحية أشرف التحيات وأكرمها . الثاني : أن السلام مشعر بالسلامة من الآفات والبليات . ولا شك أن السعي في تحصيل الصون عن الضرر أولى من السعي في تحصيل النفع . الثالث : أن الوعد بالنفع يقدر الانسان على الوفاء به وقد لا يقدر ، أما الوعد بترك الضرر فإنه يكون قادرا عليه لا محالة ، والسلام يدل عليه . فثبت أن السلام أفضل أنواع التحية . المسألة الثالثة : من الناس من قال : من دخل داراً وجب عليه أن يسلم على الحاضرين ، واحتج عليه بوجوه : الأول : قوله تعالى : * ( يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها ) * ( النور : 27 ) وقال عليه الصلاة والسلام : " أفشوا السلام " والأمر للوجوب . الثاني : أن من دخل على إنسان كان كالطالب له ، ثم المدخول عليه لا يعلم أنه يطلبه لخير أو لشر ، فإذا قال : السلام عليك فقد بشره بالسلامة وآمنه من الخوف ، وإزالة الضرر عن المسلم واجبة قال عليه الصلاة والسلام : " المسلم من سلم المسلمون من يده ولسانه " فوجب أن يكون السلام واجبا . الثالث : أن السلام من شعائر أهل الاسلام ، وإظهار شعائر الاسلام واجب ، وأما المشهور فهو أن السلام سنة ، وهو قول ابن عباس والنخعي . وأما الجواب على السلام فقد أجمعوا على وجوبه ، ويدل عليه وجوه : الأول : قوله تعالى